جيرار جهامي ، سميح دغيم

1187

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

تكييف بنيتها وتنشيط خصائصها وتجديد بعض منطلقاتها ، لكي تستطيع مواجهة نقيضها والاستمرار في تحدّي مشروعيته . وهذا أمر طبيعي ؛ فالخطابات في سياق ثقافي حضاري تاريخي بعينه تتشارك نفس الإشكاليات وتواجه نفس التحدّيات . أليس التحدّي المطروح أمام كل الخطابات المنتجة هو تحدّي دخول المستقبل ، والتصدّي لخطر الخروج من التاريخ ؟ في مواجهة هذا التحدّي الصعب والماثل منذ بداية عصر النهضة العربي الحديث تتعدّد الإجابات ، أي تتعدّد الخطابات . ( أبو زيد ، الخطاب والتأويل ، 5 ، 9 ) . - إن الخطاب لا يمكن ، أو على الأقل لا يستقيم ، إلّا في إطار من الترتيب والنظام ، وبالتالي فهو يفرض على أجزاء موضوعه ، مهما تداخلت وتشابكت وتزامنت ، أنواعا من التقديم والتأخير لا تقتضيها ، وأحيانا لا تقبلها ، طبيعة الموضوع . ( الجابري ، تكوين العقل العربي ، 253 ، 8 ) . - لا خطاب يقبض على الحقيقة . بل كل خطاب ينتج معناه ويشكّل حقيقته . . . فأهمّية الخطاب في كونه يتكلّم على الحقيقة بطريقة إشكالية وعلى نحو لا يستنفد . أهمّيته في أنه يتيح لنا أن نقرأه لكي نصوغ حقيقتنا ونستكشف علاقة جديدة بالكائن والحقيقة . هكذا أقرأ خطاب أركون : إني أنطلق منه لكي أتكلّم على الحقيقة بكلام مختلف . ( علي حرب ، الممنوع والممتنع ، 134 ، 16 ) . - ليس الخطاب مجموعة ألفاظ وعبارات إن لم ينجم عن المجموع الكمّي لها ، دلالة تتجاوزها . فقد يكون النص صوتا أو صوتين يشكّلان لفظا ما ، كما في لغات الشعوب الابتدائية ، ولكنه يحيل إلى شيء ، يغايره . يرسم خطابا متكاملا إذا حلّلناه كان لدينا خطاب كامل : هنالك نمر فاحذروه ، وإذا تابعنا تحليل الخطاب لأحال نفسه إلى خطابات ضمنية أخرى ترتبط بخبرات القوم ، من مثل أن : النمر وحش قاتل . وأن الحذر يعني تجمّع المقاتلين والاستعداد . . . ولذلك مهما حاولت بعض الاتّجاهات اللّسانية المعاصرة جعل الخطاب غاية لذاته ، وأنه لا يحيل إلى شيء يغايره ، فإنه يبقى أن يصير الخطاب مدلولا من حيث هو دالّ ، وبالعكس ، دالّا من حيث هو مدلول . ورغم ما في هذا من تعارض منطقي ، فإن بعض الدلاليّين ( أو السيميائيين ) ميّزوا بين مضمون المدلول وشكله ، استنادا إلى منهجية كانت . واعتبروا أن الخطاب إذا ما حقّق بنية متكاملة في ذاتها ، فإنه يصبح قادرا على تجريد المدلول من مضمونه ويغدو المدلول شكلا قبليّا مؤسّسا لنظرية المعرفة الدلالية . ( مطاع الصفدي ، استراتيجية التسمية ، 102 ، 13 ) . * تعليق * في الفكر النقدي - إذا تحوّل الخطاب إلى نسق معرفي أو إيديولوجي مغلق ، صعب عليه العبّ من مناهل خطابات مغايرة . وقد أصابت هذه العلّة الخطاب الفلسفي العربي التقليدي الذي بات يستعيد ذاته من خلال تراثه تارة دون تطوير أو تجديد ، ويهاجم خطاب الآخرين